الرئيسية / مع التراث / مع التراث/ الشعر الحساني

مع التراث/ الشعر الحساني

يعرف الشعر الحساني بتسميات عديدة، لكل واحدة منها مدلولها الخاص و نذكر منها:
لغن و معناه الغناء بالفصحى
الموزون
الشعر الشعبي
الشعر اللهجي

و سنتناولها في ما يلي بشيئ من التفصيل:
لغن: هذه هي التسمية القديمة و يري البعض أن لها علاقة بالغناء الذي تمارسه احدي الفيئات الشعبية. ولا شك أن الشعر الحساني لصيق بالغناء و أن القدماء كانوا يفصلون بهذه التسمية بينه و بين الشعر العربيالفصيح الأكثر منه نخبوية و الذي كانت تمارسه فيئات تبتعد شيئا ما عن الطرب و الغناء تحت ضغطضرورة الحماية الروحية ضد القوة المسلحة.
و انطلاقا من ذلك، فإننا نرجح أن يكون “لغن” بدأ تعاطيه في المجتمعات الأكثر احتكاكا مع فيئات المغنين -أي ايكاون- و يتعلق الأمر هنا بالمجتمعات الحسانية التي تخلت في وقت ما عن اللسان العربي الأصيل وأصبحت تتحدث بالدارجة تاركة الشعر الفصيح للمجموعات التي كانت تتعاطي البربرية كلغة للتواصل. وتجدر الإشارة هنا إلي أن هذه النظرية لا يمكن تعميمها علي الإطلاق لأن “لغن” كان يتعاطي في مختلفالمجتمعات البيظانية و إن كانت أكثرية النصوص القديمة من إنتاج مجموعة معينة هي مجموعة بنيحسان.
الموزون: تطلق هذه التسمية علي كل كلام مقفى و بذلك يستوي فيها الشعر الفصيح و الشعر الحساني. وهي تفرق أساسا بين النثر و بين الشعر. و لعل ذلك ما حدا بها إلي أن أصبحت في المفهوم العام دالة عليالسبك اللغوي و جودة اختيار الكلمة المناسبة و وضعها في المكان المناسب بغض النظر عن المستويالأدبي للنص.
الشعر الشعبي: مع بداية نمو الفكر القومي العربي و كردة فعل علي الرفض الذي قابل به إخواننا العرب ميلاد الدولة الموريتانية، ففد أصبح بعض الشباب الموريتانيين يتعاملون مع الشعر الحساني و مع كل ماهو “بيظاني” أصيل بقدر من الإمتهان و يرون في الإهتمام بتلك الخصوصيات سببا لعزلة البلاد عن الركب الثقافي في الأمة العربية… و بلغ ببعضهم الحرص علي عدم التميُّز عن باقي الشعوب العربية حدودا غريبة جعلتهم يشـنون الحرب علي الدراعة و علي كلمة “ولد” المميزة “للبيظان” و علي العادات الغذائية، و يحرصون علي أن يستبدلوا هذه العبارات ببدائل من مفردات تستخدم في الشرق الأوسط أو في الخليجالعربي. و شرعوا في تعريب بعض الأسماء مثل “انواكشوط” التي تحولت الي “نوق الشط”… و حتى بعض الأسماء التي لا علاقة لها بالعربية كآبدجانه (Abidjan) مثلا، أصبحت علي ألسنة بعض مقدمي نشرات الأخبار يشار إليها ب “أبو دجانة”.
و قد سبق هذه المحاولات الإستنساخية ما عمل عليه المستعمر الفرنسي من محاولة طمس الهوية الموريتانية بكل الوسائل و هي المهمة التي أوكلها إبان رحيله إلي الطبقة المثقفة آنذاك أي “المتفرنسين” الذين قاموا “بواجبهم” علي أكمل وجه و أبدعوا في ابتذال كل ما هو “شعبي” و “عربي” علي حد سواء. و في جو كهذا، وجد الشعر الحساني نفسه في دائرة ضيقة و مجال ثقافي لا مكان له فيه إلا إذا رضي بالدونية و قبل وصفه “بالشعبية” التي لا يحسد عليها.
الشعر اللهجي: يطلق الباحثون هذه التسمية علي شعر “البيظان” و هي تسمية أكثر إنصافا من غيرها لأنها تنسب هذا الشعر إلي اللهجة الحسانية دون أن تطلق عليه حكما أو تضعه في خانة يستشف منها عدم تبنيه بكل فخر و اعتزاز.
البحور الشعرية أو “لَبْتُوتَ” ليس الهدف عندنا من هذا البحث سرد البحور الشعرية و تقديم قواعدها العروضية لأن ذلك العناء قد سبقنا لتجشمه باحثون أكفاء… و علي كل من أراد التعمق في قضايا “لغن” الفنية أن يعتمد علي ما توصلوا إليه من نتائج هامة.
لقد ارتأينا أن نقتصر علي ايراد بعض الملاحظات الشخصية لإنارة الدارسين و مساعدتهم علي حسن اختيارالمراجع المناسبة لأن بعض المعلومات التي أصبحت اليوم في متناول الجميع تفتقــر كثيرا إلي الموضوعية و تركز علي شكليات لا تفيد المتلقين بل تصدهم عن الهدف المنشود.
إن اهتمام كثير من الشعراء و المتشاعرين و الذين نصبوا أنفسهم للتدريس و سخرت لهم كل وسائل التبليغ يكاد يكون منصبا علي سرد “لبتوتَ” أي بحور الشعر اللهجي دون أن يساعد ذلك المتلقي في اكتساب الموهبة الشعرية التي هو بحاجة اليها… و لا تفيده إلا بشحن رأسه بمسميات جافة و غالبا ما تكون منخيال مقدمها.
إن غالبية البحور الشعرية التي تتداولُ أسماؤها في الأوساطُ “الأدبية” ما هي إلا بحور نظرية، نادرة الإستعمال أو منقرضة منذ الأمد البعيد و لا يمكن لمروجيها أن يقدموا للمتلقي أكثر من نموذج أو اثنينمنها.
فما هي الفائدة من شحن أذهان الدارسين بأسماء بحور لا يمكنهم طول حياتهم أن يسمعوا منها إلا قطعة أو قطعتين مثل “المشكل و الرمز و بت أثلات و اللام بوكر و الواكدي الزاحل” الخ…؟ إن المعضلة الكبري تكمن في حرص بعض الكتاب و الباحثين و مقدمي الإرشادات علي إظهار تمكنهم من الموضوع من خلال تقديم ما عندهم علي أساس أنه حقائق لا تقبل النقاش و لا يأتيها الباطل من بين يديها و لا من خلفها.
و في مواجهة هذه الوضعية، فإننا أنصح معدي الرسائل الجامعية و غيرهم ممن لا يريدون الإنجراف وراء الترهات أن يتحروا الدقة في ما يقرؤونه و ما يسمعونه و أن لا يصدقوا تلقائيا كل ما رأوه مكتوبا بحروف براقة علي صفحات كتاب أنيق… و علي سبيل المثال لا الحصر، فإن القائلين بشاعرية “بت الرمز” مثلا، لايدركون أنهم يتلاعبون بالشعر أو يجنون عليه علي الأقل.
و إذا سألتهم عن قطعة شعرية في هذا البت، فإنهم سيقتصرون علي القُطَيْعَة الوحيدة التي يتداولونها منذ نعومة أظافرهم: فُمْ أُمْ نُمْ نينْ فُمْ زَيْنْ كلْ زَيْنْ فلْ عَيْنْ … فأين الشعر من هذا التهجي المفتعل و الخالي منالمعني؟
و متي سيدرك مرددو “عند انتيٌَاكْ رَيْتْ إلٌ حَاكْ امْرَ مَجْعُولْ اعْليهَ هَوْلْ تَظْحَكْ و اتْكُولْ رَظْعُ لعْجُولْ” أنهم لايستطيعون تقديم نموذج آخر من هذا البت إلا إذا قرروا نسجه في الحين و عندها لن يخفي علي المتتبعينما في إنتاجهم من التكلف و الإرتجال؟
و السؤال نفسه موجه إلي مرددي:
ذلٌلي عَادتْ بَاجْلي طَفْلَ مَا تُقَاربْ لَيْعتْهَ مَعْمُورَ منْ قَديمْ الزٌَمْانْ
منتْ أعْمَرْ ولْ اعْلي ولْ اعْمَرْ بُشَاربْ ولْ اعْل شَنْظُورَ ولْ أحْدْ منْ دَمَانْ
إن هذا النوع من الأمثلة لا يخدم نظرية أحقية “بتْ المزارك” في أن يعتد به و أن يتعامل معه الشعراء تعاملهم مع “ابتوتَ اكْبَارْ” من أمثال “”! لبْتَيْتْ” و “البَتْ لَكْبيرْ” و “الرسم” و “لبٌَيْرْ” و “اسْغَيرْ تيكَادْرينْ” و “امْرَيْميدَه” و “بُو عمْرَانْ.
و من جهة أخري، فإننا نستغرب المراجع التي يعتمد عليها القائلون بوجود ما يسمونه “امْرَيْميدهْ الْبَيْظَ ” و “امْرَيْميدهْ الْكَحْلَ” لأن الراسخ عندنا و عند من أدركناهم من أساطنة هذا الفن هو أن “امْرَيْميدَه” هي”امْرَيْميدَه” فقط و لم نسمع أبدا عند المنظرين القدماء أنها تتلون علي شكل الحرباء ! ف”امْرَيْميدَه” لاتتطلب أكثر من شاعر مقتدر و بارع في فنية الإقتصاد في الألفاظ لينظم “تيفلواتن” من سبعة متحركين يلتقي في كل منها ساكنان بعد المتحرك الثاني.
و علي ذكر هذا “الْبَتْ”، فإن بعض المراقبين يعتبرون أن نهضته الحقيقية بدأت عندما استعمل لكتابة النشيدين المشهورين “الْخَيْرْ جَانَ بمْجيكُمْ” و “نشيد الكتاب” اللذين لاقيا استحسانا منقطع النظير فيالأوساط الأدبية و أصبحا مثالا للنشيد الناجح حتي أن الشعراء اليوم لا يتصورون أنه بإمكانهم نظم نشيد منأناشيد الحملات الإنتخابية إلا في “بت امريميده”.
و من المعروف أن هذا “البت” كان محصورا في الأوساط الشعرية علي أنظام قديمة في الفخر و “كفان” مبتذلة تنسب إلي حليف لقبيلة “مسومه” يدعي محمود… مثل:

ابْكَيْتْ فالدٌَارْ انْكَوْكي و اجْرُوحْتْ الْخَدْ إبَانُ

و امْشَاتْ وَلْفي يَيَوْكي في اسْلاَمْتْ اللٌَه وُ مَانُ

و الحقيقة أن “لبتوت” أكثر من أن يحصي بدقة و لكن أهمها علي الإطلاق هي: “ليتيت” و مشتقاته و “البت لكبير” و مشتقاته و ” تيكادرين” و مشتقاتها “بو عمران” و “تاطرات” و مشتقاتها و “امريميده”.

شاهد أيضاً

مع التراث:السلم الموسيقي الحساني

السلم الموسيقي الحساني ينقسم السلم الموسيقي إلى خمس مقامات أساسية مرتبة حسيب ما يلي وهي(كر، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: